الرئيسية / مقالات / المتحف الوطني (1923- 2017): القصة الكاملة

المتحف الوطني (1923- 2017): القصة الكاملة

مي عبود ابي عقل

في 2 تموز 2017 يحتفل اللبنانيون باليوبيل الماسي لتأسيس المتحف الوطني، هذا الصرح الثقافي الذي يختصر تاريخ لبنان عبر العصور، ويضم مخزوناً ثقافياً غنياً، وكنزاً ضخماً من الشواهد والقطع الأثرية التي تركتها مختلف الشعوب التي مرت في هذه النقطة من العالم حيث ملتقى الحضارات، وتركت آثارها وبصماتها محفورة في الحجر والذاكرة.

75 عاماً ولا يزال المتحف الوطني واقفاً في مكانه شامخاً، متجدداً ومتألقاً، لم تنل سنوات الحرب من صموده، بل تم تأهيله وترميمه، وأعيد افتتاحه ليبقى شاهداً على تلاقي الشعوب والحضارات. أعمدته الضخمة وواجهاته الخارجية جعلته في مصاف الأجمل في منطقة الشرق الأوسط، ويضم عشرات آلاف القطع الأثرية في مستودعاته، معروض منها حاليا نحو 1800 قطعة تتنوع بين فخاريات ونحاسيات ونواويس وفسيفساءات وتماثيل وعملات نقدية ومجوهرات وغيرها من الكنوز، تعود الى عصر ما قبل التاريخ وعصور البرونز والحديد والحقبات الهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية والمملوكية والعثمانية.

 

 

البدايات 

تعود قصة المتحف الوطني الى اوائل القرن الماضي، فعلى أثر الحرب العالمية الأولى واحتلال بيروت من قبل القوات الفرنسية، بدأ الضباط  الفرنسيون بجمع العديد من القطع الأثرية، ومنهم الضابط ريمون ويل الذي عثر على مجموعة منها في بيروت وجوارها، وأودعها في مستودع دير الراهبات الانجيليات الألمانيات في شارع جورج بيكو في وسط العاصمة. ولاحقاً قررت سلطات الانتداب إنشاء مصلحة الآثار والفنون الجميلة، وبدأت بجمع القطع الأثرية التي عثر عليها في صور وصيدا وبيروت في منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وشكلت نواة للمتحف الذي سينشأ في ما بعد، اضافة الى بعض ما تم جمعه من هبات وتقديمات ومجموعات خاصة.

ولكي لا تضيع هذه الكنوز أو تتعرض للسرقة أو التهريب الى الخارج، اجتمعت 15 شخصية من وجهاء البلد في العام 1923 بغية تأسيس متحف وطني، وشكلوا “لجنة أصدقاء المتحف” التي ضمت كلا من: عمر الداعوق، وهنري فرعون، وفؤاد غصن، وسليم إده، وأسعد يونس، ووفيق بيضون، وجاك تابت، وبيار دودج، والأب موتارد، وجورج فيسيه، والأمير موريس شهاب، وشرعوا بجمع الأموال والتبرعات من اجل انشائه. وفي العام 1928 انشئت مصلحة الآثار العليا، وعين المير موريس شهاب امينا عاما لها، وخصصت لها اعتمادات من موازنة الدولة.

 وفي العام 1930 اقيمت مباراة في التصميم الهندسي، وفاز فيها مشروع المهندسين انطوان نحاس وبيار لوبرنس رينغي، وقدمت بلدية بيروت قطعة أرض لاقامة المتحف الذي انتهى بناؤه في العام 1937. لكن لم يتم افتتاحه الذي كان مبرمجا في العام 1938 بسبب نشوء الحرب العالمية الثانية، واستعيض عنه بقاعة افتتحت في 25 آذار 1942 ، نقلت اليها المكاتب والمكتشفات من الحفريات. وفي 27 ايار 1942 تم افتتاحه رسميا باحتفال حضره رئيس الجمهورية في حينه ألفرد نقاش، وهو التاريخ المعلق اليوم على احد جدرن المتحف، ويعتبر تاريخ تأسيسه.

وفي العام 1973 استكمل المتحف نهائيا من ناحية البناء، وانتهت كذلك اعمال تجهيز القطع وعرضها. وكان الاعداد جاريا لاقامة معرض عالمي لتاريخ الزجاج مطلع العام 1976. لكن الحرب التي عصفت بلبنان جمدت كل شيء.

عصر ذهبي وحرب مدمرة

بين العامين 1928 و 1983 تسلم المير موريس شهاب مهمات المديرية العامة للآثار. 55 عاماً عرف المتحف الوطني خلالها  تطوراً كبيراً على يد حافظه الذي أغناه بمجموعات كبيرة من القطع الأثرية المهمة من مواقع الحفريات ومكتشفاتها، ومن الهبات والتبرعات  الخاصة، وتراوحت بين نواويس وتماثيل وفسيفساءات اضافة الى المومياءات والقطع الصغيرة. وعاش فترات ذهبية حيث كان يزوره سنويا عشرات الآلاف من الزوار والطلاب والسياح الذين كانوا يفدون الى لبنان من مختلف انحاء العالم.

عندما انشأه وجهاء بيروت في زمن الانتداب الفرنسي، لم يكونوا يعلمون ان جامع شمل الشعوب المتعددة سيتحول هو ذاته الخط الذي سيخرق قلب بيروت ويشطرها شطرين، ويصبح خط تماس بين منطقتين شرقية وغربية، ثم يعود النقطة التي سيتوحد عندها الوطن. الحرب التي اجتاحت البلد على مدى 15 عاما لم توفر المتحف الوطني، وتركت آثارها المدمرة على هذا الصرح الثقافي حاضن حضارات البلاد وتاريخها، كذلك لم يسلم من الأذى والتخريب على يد مختلف القوى التي مرت عليه من الميليشيات المحلية الى الجيوش الاسرائيلية والسورية، التي عاثت كل منها فيه تدميرا ونهبا وسرقة.

 

عند نشوب الحرب عام 1975 ادرك المير موريس شهاب الخطر الذي يتهدد المتحف الوطني وكنوزه، فعمل وزوجته أولغا والموظفين ريناتا اورتالي طرزي وايلي عبود على اخفاء القطع الأثرية تحسبا من تعرضها للسرقة والنهب، او الاذى نتيجة القصف. وفي تموز من ذلك العام، اجروا جردة بالقطع الموجودة، ووضبوا القطع الصغيرة والثمينة، ولا سيما الذهبية منها والنقود والعملات والتماثيل البرونزية الصغيرة، في علب ختموها بالشمع الأحمر، ووضعوها في الخزنة الحديد في الطبقة السفلى، كما روت لي السيدة اولغا في لقاء جمعني بها قبل وفاتها بشهرين. ووضعوا الفخاريات في 42 صندوقا، لكنها احترقت عندما قصف الاسرائيليون منطقة المتحف. من ناحيته صب رئيس مصلحة المباني في مديرية الآثار يومها الدكتور كميل أسمر مكعبات من الاسمنت حول القطع الكبيرة والمتوسطة من نواويس وتماثيل، اضافة الى قطع الفسيفساء بعد تغطيتها بصناديق من الخشب. واقفلوا المتحف نهائيا.

نهضة وترميم

مع استتباب الأمن مطلع التسعينيات كان لا بد من النهوض بالمتحف، ونفض غبار الحرب عنه، واعادة الحياة الى قاعاته التي تضم شواهد الزمان والعصور، وبدأ مجلس الانماء والاعمار في تشرين الثاني 1993 ازالة آثار الدمار التي لم تترك مكانا في واجهاته وأعمدته وبنيانه، باشراف المدير العام للآثار الدكتور كميل الأسمر. واستأنفت “لجنة اصدقاء المتحف” عملها وأمنت 250 ألف دولار لاصلاح مبنى المديرية، وقدم ناشر جريدة “النهار” غسان تويني الباب الحديد في الطبقة الأرضية، وباشرت منظمة الاونيسكو باعداد فريق عمل في المتحف، بعد تزويده بعدد من اجهزة الكمبيوتر… وانطلقت ورشة ترميم المتحف الوطني.

مطلع العام 1995 ارتفعت السقالات ايذانا بترميم واجهاته الخارجية، وانطلقت في الوقت عينه ورشة داخلية في مكاتب الادارة والموظفين وفي الطبقتين الأرضية والسفلى بتمويل من “لجنة اصدقاء المتحف”. وضمن الاحتفالات باليوبيل الذهبي للاستقلال في العام 1995 جرى افتتاح رمزي للمتحف في حضور رئيس الجمهورية في حينه الياس الهراوي، واقيم معرض رسوم  تحت عنوان ” المتحف الوطني ماضياً ومستقبلا.. تراثنا المشرّد فلنحتضنه”، وسمح للناس بالدخول الى حرمه للمرة الأولى بعد 20 عاما من الاقفال، والتجول في قاعاته الخالية حيث حلت الصور مكان الآثار.

 

ولاحيائه وضعت وزارة الثقافة ومديرية الآثار خطة عمل توزعت على 4 مراحل شملت: ترميم الواجهات الخارجية، ورفع مكعبات الاسمنت عن القطع الأثرية الكبيرة، وفتح المستودعات تحت الأرض ووضع جردة بالقطع الصغيرة وترميمها بمساعدة اختصاصيين بريطانيين، واخيرا تصميم صالات العرض الذي وضعه المعماري الفرنسي جان- ميشال فيلموت. وفي العام 1996 انتقلت السقالات من الواجهات الخارجية الى الداخل، وبدأت ورشة تأهيل الصالة الكبرى في الطبقة الأرضية.

وفي 24 تشرين الثاني 1997 وضمن الاحتفالات بعيد الاستقلال اقيم حفل افتتاح كبير للمتحف الوطني في حضور رئيس الجمهورية الياس الهراوي ورئيس الحكومة رفيق الحريري وعقيلتيهما، ونال تغطية اعلامية عالمية نظرا “لأهمية الحدث”. وعلى مدى سبعة اشهر ونصف الشهر فتح المتحف ابوابه مؤقتا  امام الجمهور بعد اقفال دام 21 عاما، واستقبل 50 ألف زائر. واقتصر الاستقبال على القاعات الأربع في الطبقة الأرضية، حيث عرضت القطع الاثرية الكبيرة والمتوسطة الحجم من نواويس وتماثيل وأعمدة وتيجانها وغيرها.

وفي 15 تموز 1998 اعلنت السيدة الأولى ورئيسة “المؤسسة الوطنية للتراث” منى الهراوي اقفال المتحف لمدة 5 اشهر، لانجاز المرحلة الثانية من مشروع التأهيل الذي تولته المؤسسة. وفي 8 تشرين الأول 1999 انتهت الورشة، وأعيد فتح الطابقين الأرضي والأول، بعد 6 أعوام من العمل المتواصل، بكلفة بلغت 5,500 مليون دولار، وتنسيق تام بين القطاعين العام والخاص ومساهمات وتقديمات الأفراد والمؤسسات وعطاءاتهم، عملا ومالا، وأقامت “المؤسسة الوطنية للتراث” سلسلة نشاطات ثقافية وحفلات موسيقية داخل صالة المتحف، عاد ريعها الى تمويل خطة تأهيله وترميمه، كذلك فعلت “لجنة اصدقاء المتحف – فرع لندن” برئاسة الدكتورة كلود ضومط سرحال، وأقامت نشاطات في الداخل والخارج لجمع التبرعات للغاية عينها.

وبعد حل المعضلة المزمنة التي كان يعاني منها المتحف بسبب موقعه المنخفض، والمتمثلة بتجمع المياه الجوفية في الطبقة السفلية وقاعاتها، بحيث كان يصل ارتفاعها احيانا الى المتر، وتؤدي الى رطوبة بدرجة 98 في المئة، وتتسرب الى المستودعات فتغمر القطع الأثرية وتلحق بها اضرارا كبيرة تؤدي احيانا الى التلف، تمكن “مجلس الانماء والاعمار” في العام 1998 من سحب المياه وصرفها، واعادة تجهيز المستودعات وعزلها عن الرطوبة، بتكليف من وزارة الثقافة، مما سمح لمديرية الآثار بتأهيل هذا الطابق لاقامة صالة الفن الجنائزي عبر العصور، لتتكامل مع القاعة التي خصصت لجداريات صور المدفنية وسميت على اسم المير موريس شهاب تكريما له، وتحقيقا لرغبته بتخصيص الطبقة السفلية للفن الجنائزي. واستغرقت الاعمال مدة سنتين بتمويل ايطالي بلغ مليونين و20 ألف يورو.

استمرارية واحتفالات 

والعمل منصب اليوم على استكمال المشروع الجديد الذي تقوم به “المؤسسة الوطنية للتراث” والقاضي بتشييد “جناح نهاد السعيد الثقافي” وتجهيزه ليكون ملحقا لمبنى المتحف، وسيتضمن صالة كبرى متعددة الاستعمالات لاقامة معارض ونشاطات ثقافية واجتماعية من شأنها ان تحيي المتحف وتفعل ارتياده، اضافة الى مستودع حديث للمتحف، وكافتيريا تطل على ميدان سباق الخيل، وتكون نقطة التقاء ثقافية واجتماعية لرواد المكان. ويتم الاعداد لبرنامج كبير من المحاضرات وورش العمل تتعلق بالمتحف والقطع الأثرية والحفريات وغيرها، يشارك فيها محاضرون من مختلف انحاء العالم.

وفي لقاء مع حافظة المتحف آن- ماري مايلا عفيش اكدت  “الاصرار على الاستمرار،  الى جانب عنصر التطوير الذي ينتهجه ويعمل عليه فريق عمل مديرية الآثار في المتحف، لناحية التكنولوجيا وتجهيزه بالتقنيات الحديثة، وادخال الدليل السمعي، وغيرها من الأمور المتوفرة في المتاحف العالمية “. وكشفت عن سعي المديرية بالتنسيق مع بلدية بيروت، لاقامة مرآب تحت الحديقة الموجودة مقابل المتحف لتسهيل وصول الزوار والطلاب، واقامة ممر تحت الارض بين المرآب والمتحف بما يؤمن السلامة العامة للتلامذة والوافدين، ويبقى تأمين التمويل لهذا المشروع”.

 

وللاحتفال بمرور 75 عاما على تأسيس المتحف الوطني اعدت وزارة الثقافة ومديرية الآثار سلسلة نشاطات ابرزها: اقامة حفل موسيقي تحييه الفرقة الشرقية في المعهد الوطني للموسيقى على ادراج المتحف الخارجية، واصدار كتيب خاص يروي بالصور تاريخ المتحف الوطني، ويقسمه على 5 مراحل بحسب السنين:

1- انشاء المتحف الوطني (1923- 1942)

2- سنوات موريس شهاب ( 1942 – 1975 )

3- سنوات الحرب ( 1975 – 1991 )

4- احياء المتحف  (1991- 2000)

5- الاستمرارية ( 2000 – 2017 )

ويتضمن صورا ونصوصا من ارشيف مديرية الآثار، وملخصا باللغات الثلاث عن كل فترة.

وستصدر وزارة الاتصالات، بالتعاون مع شركة “ليبان بوست” طابعا تذكاريا وعددا من مغلفات “اليوم الأول للاصدار” خاصة بهذه المناسبة.

شاهد أيضاً

خريطة دمار العمران بفعل الحرب في الموصل

تظهر هذه الخريطة الدمار الذي حلّ بمدينة الموصل القديمة، في محافظة نينوى بالعراق. وتمكنت “يونيتار …